أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
148
التوحيد
قال الشيخ رحمه اللّه : وفي أمر بدر وجوه من المعتبر أحدها عمل كفّ من تراب إن أصاب كلا منهم ، وفيه ما ذكر ، وفيه ما يشبه المباهلة من قول أبي جهل : اللهم ابصر أمرنا وأوصلنا للرّحم ، وجمع الأئمة من الكفرة وغير ذلك ، واللّه الموفق . وزعم من أنكر الرسل بما لا يأمر الحكيم بما يقبح في العقل ؛ إذ لو جاز مجيء الخبر بمثله لجاز ذلك في إباحة الجور والكذب . فأجيب بأن ما حسّنه العقل وقبحه ، النوعان أحدهما لا يتغير ، نحو شكر المنعم وقبح السفيه والثاني هو الذي يحسّنه العقل للعاقبة أو للمقدمة أو الحال نحو ما يحسن في العقل [ . . . ] « 1 » المنهمك في الفساد الباغي على وجه الانتقام ، فجائز ورود الشرع بمثله . وعلى ذلك أمر الذبائح ولو قدر الإباحة فيه كان كل حي يموت ، والذبح أروح إليه وأيسر عليه فيكون بمعنى الأشياء المباحة . والثاني أن العدل في الجملة حسن والجور في الجملة قبح ، لكن من الأشياء مما يظهر قبحه بالنهي وحسنه بالأمر ، وذلك نحو تقلّب أحوال المرء وانتقاله ، وعلى ذلك ذبح الحيوان ، إذ جاءت به الرسل ، وهم لا يأتون إلا بالعدل . وعلى الثنوية ما أجاز النور ضرر الظلمة لما رأى من المصلحة ، وفي مثله ذكر الورّاق أن الرسل لو جاءوا إلى التمسك بحجج العقول فهم منا ، وإن جاءوا إلى خلافها فقد جعلها اللّه حججا ، لم يجز الغير إلا بالتغيير ، وفي ذلك زوال الخطاب . عارضه ابن الراوندي بما يرى أسود الرأس ثم يراه أبيض ، أتغير بصره أو تغير الشيء على البصر ؛ إذ ليس هو بأسود لما يراه البصر ، فمثله أمر ما يراه العقل عدلا للأمر ، وكذلك هذا في القيام والقعود وكل الأحوال ، ومثله الحجامة والأكل والشرب ، قد تحسن هذه الأحوال على اختلافها ، ولم يجب به تغير العقل حتى يحسن فيه الذي كان يحسن بخلافه ، فمثله أمر الرسل . ثم قد يجوز تحمل المؤن العظام لعواقب محمودة واختيار المضار لسلامة محمودة نحو التجارات والإجارات والزراعات والأدوية وأنواع الجراحات ، وكذلك اختيار ترك النفع لنفع أرجح منه ، وعلى ذلك أمر الشرائع ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيّد الورّاق الذي بينا أن في العقل ذم الإساءة إلى من لم يؤذ ، وإن لم يحب لغيره ما يحب المرء لنفسه ، والذبائح خارجة من ذلك ؛ فهذا لأنه توهّمه مفردا من العلل ، فإذا تأمل حسن العواقب والسلامة مع عقيب المنافع وكذلك فضل راحة وفي الذبائح ذلك . ونحن نقول وباللّه التوفيق : إن الأشياء نوعان : أحدهما مما يحسن لنفسه ويقبح ضده وكل خلافاته ، والثاني ما يحسن الشيء وخلافاته على حسب الحاجة وقيام
--> ( 1 ) سبقت الإشارة إليه .